أحمد مصطفى المراغي
126
تفسير المراغي
روى الطبراني والحاكم وابن مردويه عن أبىّ بن كعب قال : « لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه ، فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا اللّه ؟ » فنزلت الآية . الإيضاح ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي وعد اللّه المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم - ليورثنّهم أرض المشركين من العرب والعجم ، وليجعلنهم ملوكها وساستها ، كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة وجعلهم ملوكها وسكانها . وقد وفى سبحانه بوعده ، فإنه لم يمت عليه الصلاة والسلام حتى فتح اللّه عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم ، والمقوقس في مصر ، والنجاشي ملك الحبشة . ولما قبض صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى قام بالأمر من بعده الخلفاء الراشدون ، فنهجوا منهجه ، وافتتحوا كثيرا من المشرق والمغرب ، ومزّقوا ملك الأكاسرة ، وملكوا خزائنهم ، واستعبدوا أبناء القياصرة ، وصدق قول رسوله « إن اللّه زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » . ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) أي وليجعلنّ دين الإسلام راسخا قويا ثابت القدم ، ويعظم أهله في نفوس أعدائه الذين يواصلون الليل بالنهار في التدبير لإطفاء أنواره ، لتعفو آثاره . ( وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) أي وليغيرنّ حالهم من الخوف إلى الأمن قال الربيع من أنس : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى اللّه وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال