أحمد مصطفى المراغي

121

تفسير المراغي

الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فيقولون : آمنا باللّه وبالرسول ثم يفعلون صد ما يقولون ، فإذا دعوا ليحكم بينهم الرسول فيما يتنازعون فيه أبوا وخافوا أن يحيف عليهم ، والمؤمن الصادق الإيمان إذا ما دعى إلى اللّه والرسول قال سمعا وطاعة ، ثم بيّن بعض أكاذيبهم التي يراءون بها ويدّعون الإخلاص فيها ، فمنها أنهم يحلفون أغلظ الأيمان أنهم مطيعون للرسول في كل ما يأمرهم به ، حتى لو أمرهم بالخروج والجهاد لبّوا الأمر سراعا ، ثم أمر الرسول بنهيهم عن الحلف والإيمان ؛ لأن طاعتهم معروفة لا تحتاج إلى يمين ، وبأن يقول لهم : أطيعوا اللّه حقا لا رياء ، فإن أبيتم فإنما علىّ التبليغ وعليكم السمع والطاعة ، فإن أطعتمونى اهتديتم ، وإن توليتم فقد فعلت ما كلفت به ، وعلى اللّه الحساب والجزاء . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف ، ثم تحاكما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه عليه السلام فقال نتحاكم إلى عمر رضى اللّه عنه ، فلما ذهبا إليه قال له اليهودي : قضى لي النبي صلى اللّه عليه وسلّم فلم يرض بقضائه ، فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال بلى ، فقال مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل رضى اللّه عنه بيته وخرج بسيفه فضرب به عنق المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم . الإيضاح ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) أي ويقول هؤلاء المنافقون : صدّقنا باللّه وبالرسول وأطعنا الرسول ، ثم يخالفون ذلك فيعرضون عن طاعة اللّه ورسوله ضلالا منهم عن الحق ، وما أولئك بالمؤمنين المخلصين الثابتين على الإيمان ، بل هم ممن في قلوبهم مرض ، وقد مرنوا على النفاق ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .