أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

وقد كان هذا وحده كافيا في الإسراع إلى تصديقه والإيمان برسالته لولا الجحد والإنكار وعمى القلوب « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » . ( 2 ) ( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) أي وخلقنا من الماء كل حيوان كما قال في آية أخرى « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » وكذا يحيا به كل نبات وينمو . وقال قتادة : خلقنا كل نام من الماء ، فيدخل الحيوان والنبات . ويرى بعض علماء العصر الحاضر أن كل حيوان خلق أولا في البحر ، فأصل جميع الطيور والزواحف وحيوان البر - من البحر . ثم تطبعت بطباع حيوان البر على مدى الأيام وتنوعت أصنافها ، ولهم على ذلك كثير من الأدلة . ( أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ) بأن يتدبروا هذه الأدلة ، فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره ، ويتركوا طريق الشرك . ( 3 ) ( وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت ، لئلا تميد وتضطرب بهم . وقد أثبت العلم حديثا أن الأرض كانت نارا ملتهبة ، ثم بردت قشرتها ، وصارت صوّانية صلبة ، وقدّروا زمن ذلك بنحو ثلاثمائة مليون سنة . ومما يدل على صدق هذه النظرية ما نراه من حمم النيران التي تخرجها البراكين في جهات كثيرة من الأرض كما حدث في سنة 1909 لبركان ويزوف بإيطاليا ، وقد طغى على مدينة مسينا ، وابتلعها في باطنه ولم يبق منها شيئا . فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفس بها الأرض ، لتخرج من باطنها نيرانا ومواد ذائبة ، مما يرشد إلى أنها كلها في أحقاب طويلة كانت كذلك . ولولا هذه القشرة الصّلبة لتفجرت ينابيع النيران من سائر جهاتها كما كانت بعد ما انفصلت من الشمس كثيرة الثوران والفوران .