أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
قبول الحق وعن النظر الموصل إليه ، فلا يتأملون حجة ، ولا يتدبرون برهانا ، ولا يتفكرون في دليل . ثم أكد ما تقدم من أدلة التوحيد فقال : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) أي وما أرسلنا رسولا إلى أمة من الأمم إلا أوحينا إليه أن لا معبود في السماوات والأرض إلا أنا ، فأخلصوا لي العبادة وأفردوا لي الألوهة . وخلاصة ذلك - إن الرسل جميعا أرسلوا بالإخلاص والتوحيد لا يقبل منهم سواه ونحو الآية قوله : « واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ، اجعلنا من دون الرّحمن آلهة يعبدون ؟ » وقوله : « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » . وبعد أن بيّن سبحانه بالدلائل الباهرة أنه منزه عن الشريك والندّ - أردف ذلك ببراءته من اتخاذ الولد فقال : ( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ) أي وقال فريق من هؤلاء المشركين وهم بطون من خزاعة وجهينة وبنى سلمة - الملائكة بنات اللّه ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله : ( سُبْحانَهُ ) أي تنزيها له عن ذلك ، لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد ، فلو كان له ولد لأشبهه ولا مجانسة بين النعمة والمنعم ، والخالق والمخلوق . ثم أكد إبطال ما سلف بقوله : ( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ) أي ليس الملائكة كما قالوا ، بل هم عباد مخلوقون له تعالى ، فهم ملكه لكنهم مقربون عنده في منازل عالية ، ومقامات سامية . ثم بين سبحانه كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره وتأدبهم معه تعالى فقال : ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم ، ولا يخالفونه فيما أمرهم به ، بل يبادرون إلى فعله .