أحمد مصطفى المراغي

19

تفسير المراغي

وإنهم ولا شك بمعزل عن ذلك - والمشركين وإن لم يقولوا ذلك صريحا ، فما ادّعوه لها من الألوهية يستدعى ثبوت إحياء الموتى لها ، لأنه من خصائصها . ووصف الآلهة بكونها من الأرض - للإشارة إلى أنها من الأصنام التي تعبد فيها ، وللإيماء إلى ضعة شأنها ، وحقارة أمرها . ثم أقام الدليل العقلي على التوحيد ونفى أن يكون هناك إله غير اللّه فقال : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) أي لو كان في السماوات والأرض إله غير اللّه لخربتا وهلك من فيهما - ذاك أنه لو كان فيهما إلهان فإما أن يختلفا أو يتفقا في التصرف في الكون ، والأول ظاهر البطلان ، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معا فيريد أحدهما الإيجاد والثاني لا يريده فيثبت الوجود والعدم لشئ اختلفا فيه ، وأما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني ، فيكون هذا مغلول اليد عاجزا ، والإله لا يكون كذلك ، والثاني باطل أيضا ، لأنهما إذا أوجداه معا وجب توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد . ولما أثبت بالدليل أن المدبر للسماوات والأرض لا يكون إلا واحدا ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا اللّه قال : ( فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) أي فتنزيها للّه رب العرش المحيط بهذا الكون ومركز تدبير العالم عما يقول هؤلاء المشركون من أن له ولدا أو شريكا . ثم أكد هذا التنزيه بقوله : ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) أي هو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه ، ولا يعترض عليه أحد ، لعظمته وجلاله ، وعلمه وحكمته ، وعدله ولطفه ، وهو سائل خلقه عما يعملون كما قال : « فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ » وقال : « وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ » .