أحمد مصطفى المراغي
77
تفسير المراغي
أوليائه في الذل والمهانة ، وأعداءه في العز والراحة ، لكنا نجد الأمر على العكس من هذا ، فإنا نحن الذين يمتعون برفاهية العيش والرخاء والنعيم ، وأنتم في ضنك وفقر وخوف وذل ، فهذا دليل على أنا على الحق وأنتم على الباطل . وقد رد اللّه عليهم مقالتهم بأن الكافرين قبلكم وكانوا أحسن منكم حالا ، وأكثر مالا ، قد أبادهم اللّه وأهلكهم بعذاب الاستئصال ، فدل هذا على أن نعيم الدنيا لا يرشد إلى محبة اللّه لمن أوتوه ، ولا إلى أنهم مصطفون له من بين خلقه . روى أن قائل هذه المقالة النضر بن الحرث ومن على شاكلته من قريش ، للمؤمنين من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانوا في خشونة من العيش وفي رثاثة من الثياب ، وهم كانوا يرجّلون شعورهم ويلبسون فاخر الثياب . ثم أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أن يجيب هؤلاء المفتخرين بحظوظهم الدنيوية ببيان مآل الفريقين يوم القيامة ، وأن ما كان للمشركين في الدنيا من المال وسعة الرزق فإنما ذلك استدراج وإمهال من اللّه لهم ، ثم يلقون النكال والوبال في جهنم وبئس القرار . الإيضاح ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ؟ ) أي وإذا تتلى على المشركين آياتنا واضحات الدلالة قالوا مفتخرين على المؤمنين ، ومحتجين على صحة ما هم عليه من الباطل ، أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا ، وأنعم بالا ، وأفضل مسكنا ، وأحسن مجلسا ، وأجمع عددا ؟ أنحن أم أنتم ؟ فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل ، وأولئك المستخفّون المستترون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق ؟ ونحو الآية قوله تعالى « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ » .