أحمد مصطفى المراغي

75

تفسير المراغي

كل جماعة منهم من هو أشد على الرحمن الذي غمر هم بإحسانه - تكبرا ومجاوزة للحدود التي سنّها لخلقه وقصارى ذلك - إن اللّه تعالى يحضرهم أولا حول جهنم ، ثم يميز بعضهم عن بعض ، فمن كان أشدهم تمردا في كفره ، خص بعذاب أعظم ، فعذاب الضالّ المضلّ فوق عذاب من يضلّ بالتبع لغيره . ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ) أي ثم لنحن العالمون بظواهر أعمالهم وبواطنها ، وبما اجترحوا من السيئات ، وبما دسّوا به أنفسهم من الموبقات ، من هم أولى بجهنم دخولا واحتراقا ، فنبدأ بهم أولا ثم بمن يليهم . وخلاصة هذا - إنهم جميعا يستحقون العذاب ، لكنا ندخلهم في جهنم بحسب عتيّهم وتجبرهم في كفرهم . ثم خاطب سبحانه الناس جميعا فقال : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ) أي وما أحد منكم أيها الناس إلا يدنو من جهنم ويصير حولها ، قد قضى ربك بذلك وجعله أمرا محتوما مفروغا منه . روى السدى عن ابن مسعود قال : « يرد الناس جميعا الصراط ، ويقومون حول النار ، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم ، فمنهم من يمر مثل البرق ، ومنهم من يمر مثل الريح ، ومنهم من يمر مثل الطير ، ومنهم من يمر كأجود الخيل ، ومنهم من يمر كأجود الإبل ، ومنهم من يمر كعدو الرجل . . . » في حديث طويل ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون بأعمالهم » . ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) أي إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة على قدر ما اجترحوا من الآثام والذنوب - نجى اللّه المتقين منها بحسب أعمالهم ، وترك الكافرين جاثين على الركب كما جاءوا .