أحمد مصطفى المراغي
7
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن ذكر الأمور التي رآها موسى عليه السلام حين صاحب الخضر ، وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه مرة بعد أخرى ، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرا ، وكان من جراء ذلك أنه فارقه ولم يستطع صحبته - أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره ، مما ينكر ظاهره ، وقد أظهر اللّه الخضر على حكمة باطنة ، فإن الأنبياء صلوات اللّه عليهم يحكمون بناء على الظواهر كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « نحن نحكم بالظواهر ، واللّه يتولى السرائر » . وأحكام هذا العالم مبنية على الأسباب الحقيقة الواقعة في نفس الأمر ، وهذه لا يطلع اللّه عليها إلا بعض خواص عباده ، ومن ثمّ اعترض موسى على ما رأى ولم يعلم ما آتاه اللّه الخضر من قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور ، ويطلع على حقائق الأشياء ، فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناء على الظواهر ، ومرتبة هذا العالم الوقوف على بواطن الأمور وحقائق الأشياء ، والاطلاع على أسرارها الكامنة . وخلاصة المسائل الثلاث - إنه حين يتعارض ضرران يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى ، فلو لم يغب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك وفاتت منافعها بتاتا ، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه في دينهم ودنياهم ، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررا من سقوطه ، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام . ومجمل الأمر في ذلك - إن اللّه أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها في أنفسها ، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسمية ، ومن ثمّ قال في صفة علمه : « وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » وموسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه اللّه إلى هذا العالم ، ليعلمه أن كمال المعرفة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها في الواقع