أحمد مصطفى المراغي

69

تفسير المراغي

( 2 ) ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ) أي لا يسمع المتقون فيها فضول القول وما لا طائل تحته ، ولكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم بما يشعرهم بالأمان والاطمئنان ، وهما منتهى السعادة ، والدنيا لا طمأنينة فيها ولا استقرار ، فلا سعادة فيها ولا نعيم ، ومن ثم طلب إلينا أن ندعو في الصلاة بالأمان ونقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين . ولا شك أن تكرار هذه العبارة في الصلوات يحدث في النفس أثرا إذا أدركت مغزاها ، ويشعر بأن اللّه لم يخلق العالم إلا لغاية واحدة وهي الطمأنينة ، ولا تكون إلا إذا أمن المرء الفقر والمرض والشيخوخة ، وأنى لنا بذلك في الدنيا ؟ وإنما تكون الطمأنينة لعباده المتقين في الآخرة ، وهذا المعنى هو الذي تترجم عنه الجملة ( السلام عليكم ) أي إن الأمان سيحققه اللّه لكم ، بأن يأمن يعضكم بعضا في الدنيا وفي الآخرة بالخروج من جميع المآزق . وهذا الدعاء أمنية من أماني النفوس ، لا تتحقق إلا إذا أمن الإنسان العذاب والعقاب ، وانتهى الحساب ، وارتفع السوء كالمرض والموت والفقر والذل يوم القيامة . ( 3 ) ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) أي ولهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب في قدر وقت البكرة ووقت العشى من نهار أيام الدنيا : أي إن الذي بين غدائهم وعشائهم في الجنة قدر ما بين غداء أحدنا في الدنيا وعشائه . وخلاصة ذلك - إنه لا بكرة في الجنة ولا عشى ، إذ لا ليل ولا نهار ، وإنما يؤتون بأرزاقهم في مقدار طرفي النهار كما كانوا في الدنيا ولما ذكر أن هذه الجنة تخالف جنات الدنيا - ذكر الدواعي التي توجب استحقاقها فقال : ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) أي هذه الجنة التي وصفت بهذه الصفات الشريفة ، نورثها عبادنا المتقين الذين يطيعون اللّه في السر والعلن ،