أحمد مصطفى المراغي
58
تفسير المراغي
( 2 ) ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) أي سأطلب لك من ربى الغفران ، بأن يوفقك للهداية ، وينير بصيرتك لقبول الحق ، ويرشدك إلى ما فيه الخير . ونحو الآية قوله : « وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » . وقصارى دعائه - رب اهد أبى ، وأخرجه من الضلال . وإنما استغفر له ، لأنه كان قد وعده أن يؤمن كما قال : « وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ » . ثم ذكر أنه محبب إلى ربه فإذا هو استغفر له أجاب طلبه فقال : ( إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ) أي إنه سبحانه للطفه بي ، وإنعامه علىّ ، عوّدنى الإجابة ، فإذا أنا استغفرت لك أغاثك بجوده وكرمه ، وغفر لك ذنوبك إن تبت إليه وأنبت ثم بين ما بيّت النية عليه ، وعزم على إنفاذه فقال : ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي وأتباعد عنك وعن قومك وعما تعبدون من الأوثان والأصنام ، وأفر بديني وأتشاغل بعبادة ربى الذي ينفعني ويضرني ، إذ لم تؤثر فيكم نصائحى . وقد روى أنه عليه السلام هاجر إلى بلاد الشام ، وفي هجرته هذه تزوج سارّة . ( وَأَدْعُوا رَبِّي ) أي وأعبده سبحانه وحده ، وأجتنب عبادة غيره من المعبودات . ( عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) أي لعلى لا أكون بدعاء ربى المنعم علىّ خائب المسعى ، كما خبتم أنتم وشقيتم بعبادة تلك الأوثان التي لا تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا تضركم . وقد حقق ما عزم عليه ، فحقق اللّه رجاءه ، وأجاب دعاءه فقال : ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ) أي فلما اعتزل إبراهيم أباه وقومه لم يضره ذلك لا في دين ولا دنيا ، بل نفعه إذ أبدله بهم من هم خير منهم ووهبه بنين وحفدة هم آباء الأنبياء من بني إسرائيل