أحمد مصطفى المراغي
42
تفسير المراغي
إني أستجير بالرحمن منك أن تنال منى ما حرّم اللّه عليك إن كنت ذا تقوى له ، تتقى محارمه ، وتجتنب معاصيه ، فمن يتق اللّه يجتنب ذلك . وإجمال المعنى - إنه لما تبدى لها في صورة البشر وهي في مكان منفرد ، وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها فقالت : إني أعوذ باللّه منك إن كنت تخافه - وقد فعلت المشروع في الدفع وهو أن يكون بالهوينى والأسهل فالأسهل . وخلاصة ذلك - إن الاستعاذة لا تؤثر إلا في التقى ، لأن اللّه تعالى يخشى في حال ، دون حال ، فهو كقوله : « وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » أي إن الإيمان يوجب ذلك . فلما علم جبريل خوفها : ( قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ) أي فقال الملك مجيبا لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها : لست ممن تظنين ، ولا يقع منى ما تتوهمين من الشر ، ولكني رسول ربك بعثني إليك ، لأهب لك غلاما طاهرا مبرّأ من العيوب ، وقد أضاف الهبة إلى نفسه من قبل أنها جرت على يده بأن نفخ في جيبها بأمر اللّه . ولما عجبت مريم مما سمعت : ( قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) أي قالت لجبريل : من أي وجه يكون لي غلام ، ولست بذات زوج ، ولا يتصور منى الفجور ؟ . ( قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي قال الملك مجيبا لها عما سألت : إن اللّه قد قال : إنه سيوجد منك غلام وإن لم تكوني ذات بعل ، ولا تقترفين فاحشة ، فإنه تعالى على ما يشاء قدير ، ولا يمتنع عليه فعل ما يريده ، ولا يحتاج في إنشائه إلى الموادّ والآلات .