أحمد مصطفى المراغي
36
تفسير المراغي
عن مباضعة النساء ، أبأن تقوّينى على ما ضعفت عنه من ذلك ، وتجعل زوجي ولودا وأنت القادر على ما تشاء ، أم بأن أتزوج زوجا غير تلك العاقر ؟ وخلاصة ذلك - إنه يستثبت ربه الخبر عن الوجه الذي يكون من قبله الولد الذي بشره به ، لا إنكار منه لذلك وكيف يكون منه الإنكار لذلك وهو المبتدئ مسألة ربه به بقوله : فهب لي من لدنك وليا . وإجمال المعنى - إنه تعجب حين أجيب إلى ما سأل وبشّر بالولد ، وفرح فرحا شديدا وسأل عن الوجه الذي يأتيه منه الولد ، مع أن امرأته عاقر لم تلد من أول عمرها ، والآن قد كبرت وهو قد كبر وعتا : أي يبس عظمه ونحل ولم يبق له قدرة على قربان النساء ، وكأنّه يقول : إني حين كنت شابا وكهلا لم أرزق الولد لاختلال أحد السببين وهو عقم المرأة ، أفحين اختل السببان أرزقه ؟ ( قالَ كَذلِكَ ) أي قال اللّه تعالى : الأمر كما قلت ، فسنهب لك الولد مع ما أنتما عليه من العقم والشيخوخة . ثم علل هذا بقوله : ( قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي قال ربك الذي عوّدك الإحسان : خلق ولد منكما على هذه الحال هيّن ، فإني إذا أردت شيئا كان دون توقف على الأسباب العادية التي رسمتها للحمل والولادة . ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) أي وليس خلق الغلام الذي وعدتك أن أهبه لك مع كبر سنك وعقم زوجك بأعجب من خلق البشر جملة من العدم ، فإن خلق آدم ما هو إلا أنموذج لسائر أفراد الجنس ، مستتبع لجريان آثاره عليه ، فإبداعه عليه السلام على هذا النمط إبداع لجميع أفراد ذريته ، والقادر على خلق الذوات والصفات من العدم المحض يكون أجدر بالقدرة على تبديل الصفات بخلق الولد من الشيخ والشيخة .