أحمد مصطفى المراغي

158

تفسير المراغي

إلى الوعيد ونسي العهد ، فمخالفتهم قديمة ، وعرقهم فيها راسخ ثم فصل عهده لآدم وبين كيف نسيه وفقد العزم ، ثم ذكر عصيان إبليس للسجود لآدم وتحذيره من الخروج من الجنة إذا هو اتبع نصائحه ، وهو بعد كل هذا قد أطاع وساوسه وقبل إرشاده ، فأكل من الشجرة التي نهى عن الأكل منها ، فأخرج من الجنة مع إعلامه بأن الشيطان عدو له ولذريته ، ثم بين أن من جاءه الهدى من ربه واتبعه عاش في الدنيا قرير العين هادئ البال ، ويؤتى في الآخرة ما شاء اللّه أن يؤتى من ألوان النعيم والسعادة ، ومن أعرض عن ذلك عاش في الدنيا عيشة ضنكا ، إذ هو لشدة حرصه عليها يخاف انتقاصها ، ومن ثمّ يغلب عليه الشح والبخل ، ويفعل كل منكر في سبيل جمع المال من أي وجه كان ، ولا يبالي أمن حلال كان أم من حرام ؟ ولذلك تراهم يقولون ( الغاية تبرر الواسطة ) . أما المؤمن الذي لا يعنيه جمع حطام الدنيا فإنه في سرور وراحة قلّ ماله أو كثر . وهو في الآخرة يكون أعمى عن الحجة التي تنقذه من ذلك الخزي الدائم ، والعذاب المقيم . ثم أردف هذا ببيان سبب ذلك وهو إعراضه في الدنيا عن الآيات البينات التي تهديه إلى سبيل الرشاد ، ومن ثم يسير في جهالته إلى يوم القيامة ، وهذا مما يوجب له أشد الآلام الروحية من حين مماته إلى حين الحشر ، وهكذا يجازى اللّه المسرفين المكذبين بآياته في الدنيا والآخرة جزاء وفاقا لما اجترحوا من السيئات ، وارتكبوا من الذنوب والآثام كما قال سبحانه : « لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ » . الإيضاح ( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) أي ولقد وصينا آدم وقلنا له : إن إبليس عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنة ، فوسوس إليه الشيطان فأطاعه ،