أحمد مصطفى المراغي

28

تفسير المراغي

« إنما الأعمال بالنيات » - إلى أن استنارة القلب بمعرفة اللّه ومحبته لا تحصل إلا إذا نوى العامل بعمله طاعة ربه والإخبات والخشوع له . ( ب ) أن يعمل العمل الذي يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة ، ولا يكون ذلك إلا إذا كان من القرب والطاعات ، لا من الأعمال الباطلة كعبادة الأوثان والكواكب والملائكة . ( ح ) أن يكون ذلك وهو مؤمن ، فإن أعمال البر لا توجب الثواب إلا إذا وجد الإيمان . ثم بين سبحانه أن عطاءه ورزقه الدنيوي لا يحظر على كل من الفريقين فقال : ( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) أي إن كلا من الفريقين مريدى العاجلة ومريدى الآجلة الساعي لها سعيها وهو مؤمن يمده ربه بعطائه ويوسع عليه الرزق ويكثر الأولاد وغيرهما من زينة الدنيا ، فإن عطاءه ليس بالممنوع من أحد من خلقه مؤمنا كان أو كافرا ، فكلهم مخلوق في دار العمل ، فوجب إزالة العذر ورفع العلة وإيصال متاع الدنيا إليهم على القدر الذي يقتضيه صلاحهم ، ثم تختلف أحوال الفريقين ، ففريق العاجلة إلى جهنم وبئس المهاد ، وفريق الآجلة إلى جنات تجرى من تحتها الأنهار ، ونعم عقبى الدار . ثم وضح ما مر من الإمداد وعدم محظورية العطاء على أحد فقال : ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) أي انظر إلى عطائنا للفريقين في الدنيا ، كيف فضلنا بعضهم على بعض ، فأوصلنا رزقنا إلى مؤمن وقبضناه عن آخر ، وأوصلناه إلى كافر ومنعناه من كافر آخر ، ولهذا حكم وأسباب بيّنها سبحانه بقوله : « وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ » وقوله « نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا » .