أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

السيئات وارتكابهم كبائر الإثم والفواحش ، فدمرنا تلك القرية تدميرا ولم نبق منها ديّارا ولا نافخ نار . وخص المترفين بالذكر لما جرت به العادة أن من سواهم يكون تبعا لهم ، وأن العامة والدهماء يقلدونهم فيما يفعلون ، ولأنهم أسرع إلى الفجور وأقدر على الوصول إلى سبله . وقد يكون المراد من الأمر - أن اللّه يفيض عليهم نعمه التي تبطرهم وتجعلهم يقعون في المعاصي ، فكأنه تعالى يأمرهم بها ، إذ مهد لهم الأسباب الموصلة إليها . وحكى بعض أئمة اللغة أن المراد ( بأمرنا ) أكثرنا واستدل بما أخرجه أحمد والطبراني من قوله صلى اللّه عليه وسلّم « خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة » أي مهرة كثر نسلها وطريق مصطفة من النخل مأبورة ( كثر فيها اللقاح ) لتثمر الثمر الجنى . ثم ذكر أن كثيرا من الأمم قد حق عليها العذاب بذنوبها فقال : ( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) أي وقد أهلكنا أمما كثيرة قبلكم من بعد نوح حتى زمانكم حين جحدوا آيات اللّه وكذبوا رسله وكانوا على مثل ما أنتم عليه من الشرور والآثام ، ولستم بأكرم على اللّه منهم ، فاحذروا أن يحل بكم من العقاب مثل ما حل بهم وينزل بكم سخطه مثل ما نزل بهم . وفي هذا من الوعيد لمكذبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من مشركي قريش وتهديدهم بشديد العقاب إن لم ينتهوا عما هم عليه من تكذيب رسوله - ما لا يخفى . ( وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) أي وحسبك أيها الرسول باللّه خبيرا بذنوب خلقه ، فلا يخفى عليه شئ من أفعال مشركي قومك ولا أفعال غيرهم ، بل هو عليم بجميع أعمالهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقون . ثم قسم سبحانه عباده قسمين محب للعاجلة ومحب لأعمال الآخرة : ( 1 ) ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ