أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
لا ينفك عنه بحال ؛ والعرب تضرب المثل للشئ الذي يلزم بالشيء الذي يوضع في العنق ، فيقولون جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، وخصوا العنق لأنه يظهر عليه ما يزين المرء كالقلائد والأطواق ، أو ما يشينه كالأغلال والأوهاق ( الحبال تجرّ بها الدواب ) . وخلاصة هذا - إن كل إنسان منكم معشر بني آدم ألزمناه نحسه وسعده ، وشقاءه وسعادته ، بما سبق في علمنا أنه صائر إليه ، ونحن نخرج له حين الحساب كتابا يراه منشورا وفيه أعماله التي كسبها في الدنيا ، وقد أحصى عليه ربه فيه كل ما أسلف في تلك الحياة . أخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال : قال اللّه يا بن آدم بسطنا لك صحيفة ، ووكّل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك ، والآخر عن يسارك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا متّ طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، قد عدل واللّه من جعلك حسيب نفسك . ( اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) أي ونخرج له يوم القيامة حين البعث والحساب كتابا يلقاه منشورا ، فيقال له اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا وكان الملكان يكتبانه ويحصيانه عليك ، وحسبك اليوم نفسك عليك حاسبا تحسب عليك أعمالك فتحصيها ، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها ، ولا نطلب محصيا سواها . وبعد أن ذكر أن القرآن هاد للتي هي أقوم وأن الأعمال لازمة لأصحابها بين أن منفعة العمل ومضرته راجعة إلى عامله فقال : ( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) أي من استقام على طريق الحق واتبعه ، واتبع الدين الذي بعث به محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فنفسه قد نفع ، ومن حاد عن قصد السبيل وسار على غير هدى وكفر باللّه ورسوله وبما جاء به من