أحمد مصطفى المراغي

14

تفسير المراغي

ثم بين سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بالتوراة ، وجعلها هدى لهم لكنهم لم يهتدوا بها فقال : ( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) أي وأوحينا إلى بني إسرائيل فيما أنزلناه في التوراة على موسى فأعلمهم به : لتعصنّ اللّه ولتخالفنّ أمره مرتين : أولا هما تغيير التوراة وقتل شعيا عليه السلام وحبس إرميا حين أنذرهم سخط اللّه . والثانية قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام ولتستكبرنّ عن طاعة اللّه ، ولتبغنّ على الناس ، ولتظلمنهم ظلما شديدا ، تفرطون فيه ، وتبلغون أقصى الغاية . ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ) أي فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود أرسلنا عليكم لمؤاخذتكم بجنايتكم عبادا لنا أولى بطش شديد في الحروب ، هم سنحاريب ملك بابل وجنوده ، أوغلوا في البلاد ، وترددوا بين الدور والمساكن ، للقتل والسلب والنهب ، وقتلوا علماءكم وكبراءكم ، وأحرقوا التوراة وخرّبوا بيت المقدس ، وسبوا منكم عددا كثيرا ، وكان ذلك وعدا نافذا لا مردّ له . ( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) أي ثم رجعت لكم الدّولة والغلبة على الذين فعلوا بكم ما فعلوا ، حين تبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلوّ ، فغزوتم البابليين واستنقذتم الأسرى والأموال ، ورجع الملك إليكم ، وكثرت أموالكم بعد أن نهبت ، وأولادكم بعد أن سبيت ، وصرتم أكثر عددا ، وأعظم قوة مما كنتم من قبل ، وذلك بفضل طاعته تعالى والإخبات إليه ومن ثم قال : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) أي إن أحسنتم فأطعتم اللّه ولزمتم أمره وتركتم نهيه - أحسنتم لأنفسكم ، لأنكم تنفعونها بذلك في دنياها وآخرتها ؛ أما في الدنيا فإن اللّه يدفع عنكم أذى من أرادكم بسوء ، ويرد كيده في نحره ، وينمّى