أحمد مصطفى المراغي
10
تفسير المراغي
الهجرة والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام ، وتكاليف شاقة ، من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة تستتبع همة قعساء ، وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقا وغربا . ( 2 ) إن اللّه أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضيّه وسماويّه من العظمة والجلال ، ليكون ذلك درسا عمليا لتعليم رسوله بالمشاهدة والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة ، أو يجلس إلى معلم ، أو يسح في أرجاء المعمورة ، أو يصعد بالآلات العلمية إلى السماء - فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيل والتوهم ، فأنّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنا الكثير من العلم ولم نؤت إلا قليله « وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا » . ( 3 ) إن ما يجدّ كل يوم من ضروب المخترعات ، والتوسل بها إلى طي المسافات ، بوسائل الطيارات ، وقطع المحيطات في قليل الساعات ، من قارة إلى قارة ، ومن قطر إلى قطر ، ليجعلنا نعتقد أن ما جاء في وصف هاتين الرحلتين من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة . ( 4 ) إن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم ، فما يخيّل إلينا من العوائق العملية ، من صعوبة الوصول إلى الملأ الأعلى ، لتخلخل الهواء ، واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء ، فهو إنما يكون بالنظر إلى الأجرام والأجساد المشاهدة في عالم الحس ، وإن لروحانية الأنبياء والملائكة أحكاما لم يصل العقل البشرى إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها ، وإنها لفوق مستوى إدراكه ، فأجدر بنا ألا نطيل البحث فيها ولا التعمق في استقصاء آثارها . ( 5 ) إن ما جاء في الحديث من أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم صلى إماما بالأنبياء في عالم السماوات ليرشد إلى أن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم جاء بشريعة ختمت الشرائع