أحمد مصطفى المراغي
36
تفسير المراغي
( وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ ) أي وكن من وراء أهلك الذين تسرى بهم ، وعلى إثرهم لتذود عنهم ، وتسرع بهم ، وتراقب أحوالهم ، حتى لا يتخلّف منهم أحد لغرض ، فيصيبه العذاب . ( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) فيرى ما ينزل بقومه فيرق قلبه لهم ، وليوطن نفسه على الهجرة ، ويطيب نفسا بالانتقال إلى المسكن الجديد . ثم أكدوا هذا النهى بقولهم ( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) أي وامضوا حيث يأمركم ربكم غير ملتفتين إلى ما وراءكم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه ، فلا يزال يلوى له أخادعه كما قال أبو تمام : تلفت نحو الحىّ حتى وجدتني * وجعت من الإصغاء ليتا وأخذعا والخلاصة - إنهم أمروا بمواصلة السير ونهوا عن التواني والتوقف ليكون ذلك أقطع للعوائق ، وأحق بالإسراع للوصول إلى المقصد الحقيقي وهو بلاد الشام . ثم بين العلة في الأمر بالإسراء السريع فقال : ( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ ) أي وأوحينا إليه أن ذلك الأمر مقضى مبتوت فيه : ثم فصّل ذلك الأمر فقال : ( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) أي إن آخر قومك وأولهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم ، ولا يبقى منهم أحد ونحو الآية قوله : « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا » . ثم شرع يذكر ما صدر من القوم حين علموا بقدوم الأضياف وما ترتب عليه بما أشير إليه أولا على سبيل الإجمال فقال : ( وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ) أي وجاء أهل سدوم حين سمعوا أن ضيفا قد ضاقوا لوطا - مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعا في ركوب الفاحشة منهم . وفي هذا إيماء إلى فظاعة فعلهم ، إذ هم خالفوا ما جرى به العرف ، وركب في الأذواق السليمة ، من إكرام الغريب وحسن معاملته ، وقصدوا بهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين .