أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
ونحو الآية قوله : « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ » وقد جاء « خلق آدم على أطوار مختلفة فكان أولا ترابا » كما قال : « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » ثم كان طبنا كما قال : « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ » ثم كان صلصالا من حمأ مسنون كما جاء في هذه الآية وإنما خلقه على ذلك الوضع ، ليكون خلقه أعجب وأتم في الدلالة على القدرة . ( وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) أي وخلقنا هذا الجنس من قبل خلق آدم من نار الريح الحارة التي لها لفح وتقتل من أصابته . وعن ابن مسعود : هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ : ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وقد ورد في الصحيح « خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » . وفي الآية إيماء إلى شرف آدم عليه السلام وطيب عنصره وطهارة محتده ، وعلينا أن نؤمن بأن الجن خلقت من النار ، ولكنا لا نعرف كنه ذلك ولا حقيقته ، فذلك ما لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الوحي . وبعد أن ذكر سبحانه في معرض الدليل على قدرته - خلق الإنسان الأول ، ذكر بعد مقاله للملائكة والجن بشأنه فقال : ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ . قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) أي واذكر أيها الرسول لقومك حين نوّه ربكم بذكر أبيكم آدم في ملائكته قبل خلقه ، وتشريفه بأمر الملائكة بالسجود له ، وتخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وعنادا واستكبارا بالباطل فقال : « لم أكن لأسجد » إلخ .