أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

في السجن ، ومن علمه وفهمه في تأويله للرؤيا ، ومن حرصه على إظهار شرفه وكرامته في مسألة النسوة ما دل على أنه أهل لأن يرفع إلى أعلى المراتب ، ويولّى أسمى المناصب وذلك هو ما فعله الملك لحصافة رأيه وبصره بأقدار الرجال ، ولم يصرفه عن ذلك كونه غريبا أو فقيرا أو مملوكا ، كما تشير إلى ذلك الآيتان . الإيضاح ( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) أي وقال الملك أحضروه من السجن إلىّ بعد أن وفيت له بما طلب : أجعله خالصا لي وموضع ثقتي ، فلا يشاركه أحد في إدارة ملكي ولا تكون وساطة بينه وبيني . وقد جرت عادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم ، قال ابن عباس : إن الرسول أتاه فقال ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثيابا جددا ، وقم إلى الملك ، فدعا له أهل السجن ودعا لهم وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رآه غلاما حدثا ، فقال أيعلم هذا رؤياي ولم يعلمها السحرة والكهنة ؟ وأقعده قدامه ، وقال لا تخف وألبسه طوقا من ذهب وثيابا من حرير وأعطاه دابة مسرجة مزيّنة كدابة الملك وضرب الطبل بمصر - إن يوسف خليفة الملك . ( فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ) أي فأتوه به فلما كلمه وسمع ما أجاب به ، قال له إنك لدينا ذو مكانة سامية ، ومنزلة عالية ، وأمانة تامة ، فأنت غير منازع في تصرفك ، ولا متهم في أمانتك . وفي هذا إيماء إلى أن الحوار بين المتخاطبين يظهر معارف الإنسان وأخلاقه ، وآدابه وجميع شمائله ، فيقدره من يعرف أقدار الرجال ويزنهم بفضائلهم ومزاياهم . والظاهر أن الملك كلمه مشافهة بدون ترجمان ، لأن يوسف كان قد عرف اللغة المصرية من العزيز وامرأته بمحادثته إياهما ومع حاشية الوزير من حين قدم مصر ، ومن محادثته صاحبيه في السجن . وقد تكون اللغة التي كان يتكلم بها يوسف لغة جده إبراهيم وأولاده وحفدته وكانوا من العرب القحطانيين ثم تفرعت من هذه العربية الإسماعيلية فالمصرية والعبرانية