أحمد مصطفى المراغي
24
تفسير المراغي
ثم فسر ما أسره بقوله : ( قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) أي قال في نفسه أنتم شر في مكانتكم ومنزلتكم ممن تعرضون به أو تفترون عليه ، إذ أنكم سرقتم من أبيكم أحب أولاده إليه وعرضتموه للهلاك ، والرق ، وقلتم لأبيكم قد أكله الذئب إلخ . ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ) أي واللّه أعلم منكم بما تصفونه به ، لأنه سبحانه هو العليم بحقائق الأشياء ، فيعلم كيف كانت سرقة الذي أحلتم سرقته عليه . ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين فيرجعوا به إلى أبيهم ، لأنه قد أخذ عليهم الميثاق بأن يردوه إليه . ( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ) طاعنا في السن لا يكاد يستطيع فراقه وهو علالته التي يتعلل بها عن شقيقه الهالك ، أو هو كبير القدر جدير بالرعاية كما علمت مما سلف من قصصه ومن تعلقه به . ( فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ) أي بدله فلسنا عنده بمنزلته في المحبة والشفقة عنده . ثم عللوا رجاءهم في إجابته بقولهم : ( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) إلينا في ميرتنا وضيافتنا وتجهيزنا ، فأتم إحسانك ، فما الإنعام إلا بالإتمام ، أو المعنى إن من عادتك الإحسان مطلقا ، فاجر على عادتك ولا تغيرها ، فنحن أحق الناس بذلك . فأجابهم عن مقالتهم : ( قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) أي حاش للّه أن نأخذ إلا من وجدنا الصواع عنده ، لأنا قد أخذناه بفتواكم ( مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ) فلا يسوغ لنا أن نخلّ بموجبها . ولم يقل إلا من سرق متاعنا اتقاء للكذب ، لأنه يعلم أنه ليس بسارق . ( إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) أي إنا إذا أخذنا غيره لظالمون من وجهين : مخالفة شرعكم ونص فتواكم ، ومخالفة شريعة الملك .