أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

لا تؤثر إلا بإذن اللّه تعالى ، وأن ذلك ليس بدافع للقدر بل هو استعانة باللّه تعالى وهرب منه إليه . ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) أي ما الحكم في تدبير العالم ونظم الأسباب والمسببات إلا للّه وحده . ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أي عليه دون غيره ، ودون حولى وقوتى اعتمدت في كل ما آتى وأذر . وفي هذا إيماء إلى أنّ الأخذ في الأسباب ومراعاة اتباعها لا ينافي التوكل ، وقد جاء في الخبر « اعقلها وتوكل » . ( وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) لا على أمثالهم من المخلوقين ولا على أنفسهم . فعلى كل مؤمن أن يتخذ لكل أمر يقدم على عمله العدّة ، ويهيئ من الأسباب ما يوصل إليه على قدر طاقته ، ثم بعد ذلك يكل أمر النجاح فيه إلى اللّه ويطلب منه التوفيق والمعونة في إنجازه ، فقد يكون من الأسباب ما يخفى عليه أو ما لا تصل إليه يده . ( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ) وهي الأبواب المتفرقة . ( ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) أي ما كان دخولهم على هذا النهج يدفع عنهم شيئا من المكروه الذي يحول دون رجوعهم ببنيامين ، ونسبتهم إلى السرقة ، وتضاعف المصيبة على يعقوب . ( إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ) أي إن يعقوب كان عليما بأن الحذر لا يغنى من القدر ، ولكن كانت هناك حاجة تدور بخلده ، ما أراد أن يكاشف بها أحدا منهم وهي وراء الأسباب العادية في الاحتياط بسلامة بنيامين والعودة به ، قضاها بوصيته لأولاده من حيث لا يفطنون لها ، وهي خوفه عليهم من العين ومن أن ينالهم مكروه من قبل ذلك . ( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ) أي وإنه لذو علم خاص به وبأمثاله من الأنبياء ، لما أعطيناه من علم الوحي وتأويل الرؤيا الصادقة ، واعتقاده أن الإنسان يجب عليه