أحمد مصطفى المراغي

41

تفسير المراغي

( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي فلا تسألني في شئ ليس لك به علم صحيح ، وقد سمى دعاءه سؤالا ، لأنه تضمن ذكر الوعد بنجاة أهله ، وما رتبه عليه من طلب نجاة ولده . وفي الآية إيماء إلى أنه لا يجوز الدعاء بطلب ما هو مخالف لسنن اللّه في خلقه بإرادة قلب نظام الكون لأجل الداعي ، ولا بطلب ما هو محرم شرعا ، وإنما يجوز الدعاء بتسخير الأسباب والتوفيق فيها والهداية إلى العلم بالمجهول من السنن والنظام ، لنكثر من عمل الخير ، ونزيد من عمل البر والإحسان . ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) أي إني أنهاك أن تكون من زمرة من يجهلون ، فيسألونه تعالى أن يبطل حكمته وتقديره في خلقه ، إجابة لشهواتهم وأهوائهم في أنفسهم أو أهليهم أو محبيهم . وفي ذلك دليل على أن من أكبر الجهالات أن نسأل بعض الصالحين والأولياء ما نهى اللّه عنه نبيّا من أولى العزم من رسله أن يسأله إياه ، فإن ذلك يقضى بأن اللّه يعطيهم ما لم يعط مثله لرسله . ثم ذكر طلب نوح المغفرة من ربه على ما فرط منه من السؤال فقال حاكيا عنه : ( قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أي قال نوح رب إني ألتجئ إليك وأحتمى بك من أن أسألك بعد الآن شيئا لا أعلم أن حصوله مقتضى الحكمة ، وإن لم تغفر لي ذنب هذا السؤال الذي سوّلته لي الرحمة الأبوية وطمعى في الرحمة الربانية ، وترحمني بقبول توبتي برحمتك التي وسعت كل شئ - أكن من الخاسرين فيما حاولته من الربح بنجاة أولادي كلهم وسعادتهم بطاعتك وأنت أعلم بهم منى . والعبرة في الآية من وجوه : ( 1 ) إن ما سأله نوح لابنه لم يكن معصية للّه تعالى خالف فيها أمره أو نهيه ، وإنما