أحمد مصطفى المراغي
37
تفسير المراغي
وأبناءه الثلاثة وأزواجهم ، ولم يبين اللّه ورسوله لنا عددهم ، فحصره في عدد معين من قبيل الحدس والتخمين ، كما لم يبين لنا أنواع الحيوان التي حملها ولا كيف حملها وأدخلها السفينة ، وقد فصل ذلك في سفر التكوين . ( وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها ) أي فحملهم نوح وقال اركبوا فيها باسم اللّه جريانها وإرساؤها ، فهو الذي يتولّى ذلك بحوله وقوته ، وحفظه وعنايته ، وقد يكون المعنى : إن نوحا أمرهم بأن يقولوها كما يقولها على تقدير : اركبوا فيها قائلين باسم اللّه أي بتسخيره وقدرته مجراها حين تجرى ، ومرساها حين يرسيها ، لا بحولنا ولا بقوتنا . ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي إن ربى لواسع المغفرة لعباده حيث لم يهلكهم بذنوبهم ، بل يهلك الكافرين الظالمين منهم ، رحيم بهم إذ سخر لهم هذه السفينة لنجاة بقية الإنسان والحيوان من هذا الطوفان الذي اقتضته مشيئته . أخرج الطبراني وغيره عن الحسن بن علي رضى اللّه عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا : باسم اللّه الملك الرحمن الرحيم ( بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ) الآية » . ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ) أي هي تجرى بهم في موج يشبه الجبال في علوه وارتفاعه وامتداده ، ومن كابد ما يحدث في البحار العظيمة من الأمواج حين ما تهيجها الرياح الشديدة عرف أن المبالغة في هذا التشبيه غير بعيدة ، فإن السفينة لترى كأنها تهبط في غور عميق كواد سحيق يرى البحر من جانبيه كجبلين عظيمين يكادان يطبقان عليها ، وبعد هنيهة يرى أنها قد اندفعت إلى أعلى الموج كأنها في شاهق جبل تريد أن تنقضّ منه ، والملاحون يربطون أنفسهم بالحبال على ظهرها وجوانبها لئلا يجرفهم ما يفيض من الموج عليها . ثم بين أن نوحا دعته الشفقة على ابنه فناداه كما أشار إلى ذلك بقوله : ( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ )