أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

الإيضاح ( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) أي قال قومه له : قد حاججتنا فأكثرت جدالنا واستقصيت فيه فلم تدع حجة إلا ذكرتها حتى مللنا وسئمنا ولم يبق لدينا شئ نقوله كما قال في سورة نوح حكاية عنه : « قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً » أي فأتنا بما تعدنا من عذاب اللّه الدنيوي الذي تخافه علينا وهو الذي أراده بقوله ( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) إن كنت صادقا في دعواك أن اللّه يعاقبنا على عصيانه في الدنيا قبل عقاب الآخرة . ( قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أي قال لهم نوح حين استعجلوا العذاب : يا قوم إن هذا العذاب بيد اللّه لا أملكه وهو الذي يأتيكم به إن تعلقت مشيئته في الوقت الذي تقتضيه حكمته ، ولستم بفائتيه هربا منه إن أخره لحكمة يعلمها ، وهو واقع لا محالة متى شاء ، لأنكم في ملكه وسلطانه ، وقدرته نافذة عليكم . ( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) أي إن نصحى لكم لا ينفعكم بمجرد إرادتي له فيما أدعوكم إليه ، بل يتوقف نفعه على إرادة اللّه تعالى له ، وقد مضت سنته كما دلت عليه التجارب أن النصح إنما يقبله المستعد للرشاد ، ويرفضه من غلب عليه الغى والفساد ، باجتراحه أسبابه من غرور بغنى وجاه ، أو باتباع هوى وحب شهوات ، تمنع من طاعة اللّه تعالى . والخلاصة - إن معنى إرادة اللّه إغواءهم اقتضاء سننه فيهم أن يكونوا من الغاوين لا خلقه للغواية فيهم ابتداء من غير عمل منهم ولا كسب لأسبابها ، فإن الحوادث مرتبطة بأسبابها والنتائج متوقفة على مقدماتها . ( هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي هو مالك أموركم ومدبرها بحسب سننه المطردة