أحمد مصطفى المراغي
158
تفسير المراغي
( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) الخطب الشأن العظيم الذي يقع فيه التخاطب إما لغرابته وإما لإنكاره ، ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : « قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ » وقوم موسى : « فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ » أي إن الرسول بعد أن أبلغ الملك قول يوسف : إنه لا يخرج من السجن استجابة لدعوته حتى يحقق قصة النسوة - جمعهن وسألهن : ما خطبكن الذي حملكن على مراودته عن نفسه : هل كان عن ميل منه إليكن ، وهل رأيتن منه مواتاة واستجابة بعدها ، وما ذا كان السبب في إلقائه في السجن مع المجرمين . ( قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) أي معاذ اللّه . ما علمنا عليه سوءا يشينه ويسوءه لا قليلا ولا كثيرا . ( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ) حصحص : ظهر بعد أن كان خفيا أي إن الحق في هذه القضية كان في رأى من بلغهم - موزّع التبعة بيننا معشر النسوة وبين يوسف ، لكل منا حصة بقدر ما عرض فيها من شبهة ، والآن قد ظهر الحق في جانب واحد لا خفاء فيه ، وهن قد شهدن بما علمن شهادة نفى ، وها أنا ذا أشهد على نفسي شهادة إيجاب . ( أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ) لا أنه راودنى ، بل استعصم وأعرض عنى . ( وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) في قوله حين افتريت عليه : هي راودتني عن نفسي ، والذي دعاها إلى هذا الاعتراف مكافأة يوسف على ما فعله من رعاية حقها وتعظيم جانبها وإخفاء أمرها حيث قال : ( ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) ولم يعرض لشأنها . وفي هذا الاعتراف شهادة مريحة من امرأة العزيز ببراءة يوسف من كل الذنوب ، وطهارته من كل العيوب . ( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) أي ذلك الاعتراف منى بالحق له ، والشهادة بالصدق الذي علمته منه ، ليعلم أنى لم أخنه بالغيب عنه منذ سجن إلى الآن ، فلم أنل