أحمد مصطفى المراغي

146

تفسير المراغي

إلى توحيد اللّه ، ولكنه جعل في صدر كلامه ما يطمئنهم على الثقة بصدقه ، وذلك بإظهار ما منّ اللّه به عليه من تعليمه ما شاء من أمور الغيب ، وأقرب ذلك إلى اقتناعهم ما يختص بمعيشتهم ، ومن ثم جعله بدء الحديث معهم كما حكى سبحانه عنه . ( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) أي قال لهما لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما به وهو عند أهله وبما يريدون من إرساله وما ينتهى إليه بعد وصوله إليكما روى أن رجال الدولة كانوا يرسلون إلى المجرمين طعاما مسموما يقتلونهم به ، وأن يوسف أراد هذا من كلامه . وفي ذلك إيماء إلى أنه أوتى علم الغيب ، وهذا يجرى مجرى قول عيسى عليه السلام : « وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » . ومن هذا يعلم أن وحي الرسالة جاءه وهو في السجن ، وبذلك تحقق قوله : « رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » كما أن وحي الإلهام جاءه حين إلقائه في غيابة الجب كما تقدم ذكره ، وكأنه سبحانه جعل في كل محنة منحة ، وفي كل ما ظاهره أنه بلاء نعمة . ( ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) أي ذلكما الذي أنبأتكما به بعض ما علمني ربى بوحي منه إلى لا بكهانة ولا عرافة ولا ما يشبه ذلك من تعليم بشرى يلتبس به الحق بالباطل ويشتبه فيه الصواب بالخطإ . ( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) القوم هنا الكنعانيون وغيرهم من سكان أرض الميعاد ، والمصريون الذين هو بينهم فقد كانوا يعبدون آلهة منها الشمس ويسمونها ( رع ) ومنها عجلهم ( أبيس ) ومنها فراعنهم ، وكان التوحيد خاصا بحكمائهم وعلمائهم ، ومعنى تركها أنه ترك دخولها واتباع أهلها من عبدة الأوثان على كثرة أهلها ، وفي ذلك لفت لأنظارهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها . والمعنى - إني برئت من ملة من لا يصدق باللّه ولا يقر بوحدانيته وأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما .