أحمد مصطفى المراغي
130
تفسير المراغي
( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) أي إنه سيدي المالك لرقبتى ، قد أحسن معاملتى في إقامتي عندك وأوصاك بإكرام مثواي ، فلا أجزيه بالإحسان إساءة وأخونه في أهله ، ثم علل ما صنع بقوله : ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) أي إنه تعالى لا يفلح الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس بخيانة وتعدّ على الأعراض لا في الدنيا ببلوغ الإمامة والرئاسة ولا في الآخرة بالوصول إلى رضوان اللّه تعالى ودخول جنات النعيم . وفي هذا إيماء إلى الاعتزاز به ، والأمانة لسيده ، والتعريض بخيانة امرأته ، واحتقارها بما أضرم نار الغيظ في صدرها . ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) أي ولقد همت بأن تبطش به ، إذ عصى أمرها وخالف مرادها وهي سيدته وهو عبدها ، وقد استذلت له بدعوته إلى نفسها بعد أن احتالت عليه بمراودته عن نفسه ، وكلما ألحّت عليه ازداد عتوّا واستكبارا ، معتزا عليها بالديانة والأمانة ، والترفع عن الخيانة ، وحفظ شرف سيده وهو سيدها ، ولا علاج لهذا إلا تذليله بالانتقام ، وهذا ما شرعت في تنفيذه أو كادت بأن همت بالتنكيل به . ( وَهَمَّ بِها ) لدفع صيالها عنه وقهرها بالبعد عما أرادته . ( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) أي ولكنه رأى من ربه في سريرة نفسه ما جعله يمتنع من مصاولتها واللجوء إلى الفرار منها . والخلاصة - إن الفارق بين همها وهمه ، أنها أرادت الانتقام منه شفاء لغيظها إذ فشلت فيما تريد ، وأهينت بعتوه واستكباره وإبائه لما أرادت ، وأراد هو الاستعداد الدفاع عن نفسه ، وهمّ بها حين رأى أمارة وثوبها عليه ، فكان موقفهما موقف المواثبة والاستعداد للمضاربة ، ولكنه رأى من برهان ربه وعصمته ما لم تر مثله إذ ألهمه أن الفرار من هذا الموقف هو الخير الذي به تتم حكمته فيما أعده له ، فاستبقا باب الدار وكان من أمرهما ما يأتي بيانه فيما بعد ، هذا خلاصة رأى نقله ابن جرير وأيده الفخر الرازي وأبو بكر الباقلاني .