أحمد مصطفى المراغي
115
تفسير المراغي
إخوتك بما رأيت في منامك خيفة أن يحسدوك فيحتالوا للإيقاع بك بتدبير يحكّمونه بالتفكير والرؤية . ثم بين السبب النفسي لهذا الكيد بقوله : ( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) أي إن الشيطان عدو لآدم وبنيه ، قد أظهر لهم عداوته فاحذر أن يغرى إخوتك بك بحسدهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك ، إذ من دأبه أن ينزغ بين الناس حين تعرض لهم داعية من هوى النفس ولا سيما الحسد الغريزي في فطرة البشر ، وقد أرشد إلى هذا يوسف بقوله « مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » . ( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) أي وكما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر سجّدا لك ، يجتبيك لنفسه ويصطفيك على آلك وغيرهم بفيض إلهي يكملك به بأنواع من المكرمات بلا سعى منك فتكون من المخلصين من عباده . ( وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) أي ويعلمك من علمه اللّدنى تأويل الرّؤيا وتعبيرها أي تفسيرها بالعبارة والإخبار بما تئول إليه في الوجود كما حكى اللّه قول يوسف لأبيه « هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا » . وتعليم اللّه تعالى يوسف التأويل : إعطاؤه إلهاما وكشفا لما يراد ، أو فراسة خاصة فيها ، أو علما أعم من ذلك كما يدل عليه قوله لصاحبي السجن « لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي » . ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) أي ويتم نعمته عليك باجتبائه إياك واصطفائك بالنبوة والرسالة والملك ، وعلى أبيك وإخوتك وذريتهم بإخراجهم من البدو وتبوئهم مقاما كريما في مصر ثم في تسلسل النبوة في أسباطهم حينا من الدهر . ( كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) أي كما أتم النعمة من قبل هذا العهد على جدك وجد أبيك ، وقدم إبراهيم لأنه الأشرف منهما والعرب وغيرها تفعل ذلك وقد كانوا يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم يا ابن عبد المطلب .