أحمد مصطفى المراغي

108

تفسير المراغي

وفتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها ، وذلك أقبح لوقوعها منها ، وهي السيدة وهو المملوك وهو التابع وهي المتبوعة ، وقد جرت العادة بأن نفوس النسوة تعزف عن مثل هذه الدناءة ولا ترضى لنفسها بهذه الذلة التي تشعر بالمساواة لا بالسيادة ، وبالضعة لا بالعظمة وللّه في خلقه شؤون . وقد تضمن وصف النسوة لها بهذا الوصف أنها لم تقتصد في حبها ولا في طلبها . أما الأولى فقولهن فيها : « قَدْ شَغَفَها حُبًّا » أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها ( الغشاء المحيط به ) وغاض في سويدائه كما قال شاعرهم : اللّه يعلم أن حبّك منّى * في سواد الفؤاد وسط الشغاف وأما الثاني فقولهن : « تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ » . فلما سمعت بهذا المكر القولي قابلتهن عليه بمكر فعلىّ فقد جمعتهن وأخرجته عليهن ، فلم يشعرن إلا وأحسن خلق اللّه قد طلع عليهن بغتة ، فراعهن ذلك الحسن الفتّان ، وفي أيديهن مدى يقطعن بها مما يأكلنه فقطّعن أيديهن وهن لا يشعرن بما فعلن مأخوذات بذلك الحسن كما جاء في قوله سبحانه : « فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ . قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ » . فلما هددته بالسجن والإذلال بعد أن هتك سترها وكاشفت النسوة في أمرها وتواطأن معها على كيدها - آثر عليه السلام الاعتقال في السجن على ما يدعونه إليه من الفحش والخنا : « قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » .