أحمد مصطفى المراغي

101

تفسير المراغي

( وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) أي وانتظروا بنا ما تتمنّونه من انتهاء أمرنا إما بموت أو غيره مما تحدّثون به أنفسكم كما حكى اللّه عنهم في قوله : « أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ » إنا منتظرون أن ينزل بكم مثل ما نزل بأمثالكم من عقابه تعالى بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين ، وأن يكفل لنا النصر والغلبة وتكون كلمة اللّه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، واللّه عزيز حكيم ، وقد أنجز وعده ونصر رسوله وأيده ، ونظير الآية قوله تعالى : « فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي إنه سبحانه يعلم كل ما هو غائب عن علمك أيها الرسول وعن علمهم ، مما هو في السماوات والأرض ، وهو المالك المتصرف فيه ، وهو العالم بكل ما سيقع فيهما والعالم بوقته الذي يقع فيه . ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) فأمرك وأمرهم لا محالة راجع إليه ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) أي وإذا كان أمر كل شئ يرجع إليه فاعبده بإخلاص الدين له وحده ، وادع إلى طاعته واتباع أمره بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتوكل عليه فيما لا يدخل في مكنتك واستطاعتك مما ليس لك سبيل إلى الحصول عليه ، إذ لا يدخل تحت كسبك ولا تناله يدك . والتوكل لا يجدى نفعا بغير العبادة والأخذ بالأسباب المستطاعة ، وبدون ذلك يكون من التمني الكاذب ، والعبادة لا تكمل إلا بالتوكل إذ به يكمل التوحيد والإخلاص له تعالى . روى أحمد والترمذي وابن ماجة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » . وخلاصة ذلك - امتثل ما أمرت به وداوم على التبليغ والدعوة وتوكل عليه في سائر أمورك ولا تبال بالذين لا يؤمنون ولا يضيق صدرك بهم .