أحمد مصطفى المراغي

6

تفسير المراغي

( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) أي وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء لهم بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وغيرها مما دنس نفوسهم ، وزادهم رجسا على رجسهم . ثم زاد في تأكيد نفاقهم فقال : ( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) أي يحلفون لكم لتستديموا معاملتهم بظاهر إسلامهم ، وهذا أهمّ الأغراض لديهم ، فلا حظّ لهم من إظهار الإسلام سواه ، ولو كان إسلامهم عن يقين واعتقاد لكان غرضهم الأول إرضاء اللّه ورسوله . ( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) أي فإن ترضوا عنهم كما أرادوا ، وساعدتموهم على ما طلبوا فإن رضاكم عنهم لا يجديهم نفعا ، فإن اللّه ساخط عليهم بسبب فسوقهم وخروجهم عن أمره ونهيه . وفي هذا إيماء إلى نهى المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة وأن من يرضى عنهم من المؤمنين يكون فاسقا مثلهم محروما من رضوان اللّه ، وأن من يتوب منهم ويرضى اللّه ورسوله يخرج من حدود سخطه ويدخل في حظيرة مرضاته ولا يعدّ حينئذ فاسقا . روى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الجدّ بن قيس ومعتّب بن قشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا ، أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بألا يجالسوهم ولا يكلموهم . وقال قتادة : إنها نزلت في عبد اللّه ابن أبىّ فإنه حلف للنبي صلى اللّه عليه وسلم بعد عودته ألا يتخلف عنه أبدا وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 97 إلى 99 ] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 )