أحمد مصطفى المراغي

28

تفسير المراغي

والأساس على شفا الجرف الهارى ، مثل يضرب لما يكون في منتهى الوهي والانحلال والإشراف على الزوال ، أي أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه موطنا لراحته وهناء معيشته ويتقى به العوامل الجوية ، وعدوان الكائنات الحية على أمتن الأسس وأقواها على مصابرة العواصف والسيول وصد الهوامّ والوحوش - خير بنيانا ، أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا فكانت عرضة للانهيار في كل حين من ليل أو نهار ؟ . وقد ضرب اللّه مثل البنيان على تينك الصفتين لبيان حال الفريقين المتقدمين من صدق الإيمان ، والنفاق والارتياب ، أي أفمن كان مؤمنا صادقا يتقى اللّه في جميع أحواله ويبتغى مرضاته في جميع أعماله ، قاصدا تزكية نفسه وإصلاح سريرته - خير أم من هو منافق مرتاب ، يبتغى بأعماله الضرر والضرار وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار وتفريق جماعة المؤمنين والإرصاد لمساعدة من حارب اللّه ورسوله مع ما يكون لعمله في الدنيا من العار والفضيحة والخزي والبوار ، وفي الآخرة من الانهيار في النار . وخلاصة المثل - بيان ثبات الإسلام وقوته وسعادة أهله به وثمرته في أعمالهم وجزائهم عليه برضوان اللّه عنهم ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ووهيه وقرب زواله وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله ، وبيان أن شر أعمال أهله المنافقين ، ما اتخذوه من مسجد الضرار لمفاسده الأربع المتقدمة . فالإيمان وما يلزمه من صالح العمل هو الثابت ، والنفاق وما يستلزمه من فاسد العمل هو الباطل الزاهق بحكم ناموس الاجتماع وبقاء الأصلح في الوجود ، وقد صدق اللّه وعده وثبّت المؤمنين بالقول الثابت ، وهداهم إلى العمل الصالح ففتحوا البلاد وأقاموا سبل الحق والعدل ، وأهلك المنافقين ، وقد جرت سنته في كل زمان ومكان أن يكون الفوز حليف أهل الحق ، والخيبة لأهل الباطل ما استمسكوا به ، ولم يقلعوا عنه .