أحمد مصطفى المراغي
18
تفسير المراغي
وفي هذا إيماء إلى أن المراد بالصدقة ما يعمّ الفريضة وغيرها ، وإلى أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مواظبا على هذا الدعاء ، ومن ثم قيل إن هذا الأمر للوجوب وهو خاصّ به صلى اللّه عليه وسلم . فوائد الصدقات في إصلاح المجتمع الإسلامي الصدقات تطهّر أنفس الأفراد من أرجاس البخل ، والدناءة والأثرة ، والطمع والجشع ، وتبعدهم عن أكل أموال الناس بالباطل من خيانة وسرقة وغصب وربا ، وغير ذلك : فإن من يتعود بذل بعض ما في يده أو ما أودعه في خزائنه في سبيل اللّه ابتغاء مرضاته ومغفرة ذنوبه - يكن أرفع نفسا من أن يأخذ مال غيره بغير حق ، وإذا طهرت أنفس الأفراد وزكت بالعلم والتقوى وهما ثمرة الإيمان طهرت جماعة المؤمنين من أرجاس الرذائل الاجتماعية التي هي مثار التحاسد والتعادي والبغي والعدوان والفتن والحروب ، فإن الأموال قوام الحياة المعيشية للفرد والمجتمع ، فهي مثار التنازع والتخاصم ، ومن ثم أوجب الدين على أصحاب الأموال من النفقات والصدقات ما يجعل الثروات وسيلة للسلام لا إلى الخصام . وقد جمع الإسلام بين مصالح الروح والجسد للوصول إلى السيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، فهو وسط بين اليهودية المفرطة في حب المال ، والنصرانية الروحانية الزاهدة ، فمن أهمّ مقاصده الإصلاحية في الاجتماع البشرى هداية الناس إلى العدل في أمر المال ليبتعدوا عن شر طغيان الأغنياء على الفقراء ، ونصوص الدين في هذا الباب هي الغاية التي لا يطمح مصلح في التطلع إلى ما بعدها ، وهي هادمة لمزاعم من يفتات على الإسلام من أرباب الجهل والهوى . وقد فرضت الزكاة المطلقة في أول الإسلام وكانت اشتراكية ، والباعث عليها القلوب والضمائر لا إكراه الحكام ، ثم جعلت معينة محدودة عندما صار للإسلام دولة . وسر الوضع الأول أن جماعة المسلمين في مكة قبل الهجرة كانوا محصورين ،