أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

الشهوات ، فهم أحرص على الحياة منكم لعدم اعتقادهم بسعادة أخروية ، إلى أن أهل الكتاب يظنون أنهم يحصلون عليها بنسبهم وشفاعة أنبيائهم . وفي الآية إيماء إلى أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين بكل ما يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم ، ومن ثم كانت المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين . وهكذا كان المسلمون في العصور الأولى حين كانوا يعملون بهداية دينهم وكانوا بها أرباب ملك واسع وعز وجاه عريض ودانت لهم الشعوب الكثيرة ، حتى إذا ما تركوا هذه الهداية زال مجدهم وسؤددهم وذهب ريحهم ونزع منهم أكثر ذلك الملك . وبعد أن بين المرتبة العليا التي ينبغي أن تكون للمؤمنين ، قفّى على ذلك ببيان ما دونها من مرتبة الضعف فقال : ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) روى البخاري عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : لما نزلت « إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين » شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفرّ الواحد من عشرة ، فجاء التخفيف فقال : « الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين » قال : فلما خفف اللّه عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم . وبهذا الحديث استدل العلماء على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما ، سواء طلباه أو طلبهما ، وسواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر . والخلاصة - إن أقلّ حال للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجح المائة منهم على المائتين والألف على الألفين ، وإن هذه رخصة خاصة بحال الضعف كما كان الحال في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات وهو وقت غزوة بدر حين كان المؤمنون