أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

العداوتين حين نزول الآية عقب غزوة بدر - ممن لا تعلمون الآن عداوتهم بل يعلمهم اللّه وهو علام الغيوب . والخلاصة - إن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم أنهم أعداء - يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، فالاستعداد للحرب يرهبهم جميعا ويمنعهم من الإقدام على القتال ، وهذا ما يسمى في العصر الحديث ( السلام المسلح ) ( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أي وما تنفقوا من شئ قليلا كان أو كثيرا في إعداد المستطاع من القوة والمرابطة في سبيل اللّه - باللّه يعطيكم عليه الجزاء الوافي التام . ( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) أي والحال أنه لا يلحقكم ظلم ولا اضطهاد من أعدائكم ، فإن القوىّ المستعد لمقاومة المعتدى قلما يعتدى عليه أحد ، وإن اعتدى عليه فقلّ أن يظفر به . وفي هذا إيماء إلى أن إعداد المستطاع من القوة الحربية والمرابطة في سبيل اللّه لا يمكن تحقيقهما إلا بإنفاق الكثير من المال ، ومن ثم رغّب سبحانه عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله ، ووعدهم بأن كل ما ينفقون فيها يوفى إليهم إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فحسب . وإذ كان السلم هو المقصد الأول لا الحرب أكده بقوله : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) أي وإن مال العدو عن جانب الحرب إلى جانب السلم ولم يعتز بقوته فاجنح لها ، لأنك أولى بالسلم منهم . ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أي اقبل السلم وفوّض الأمر إلى اللّه ولا تخف غدرهم ومكرهم ، فاللّه هو السميع لما يقولون ، العليم بما يفعلون ، فلا يخفى عليه ما يأتمرون به من الكيد والخداع وإن خفى عليك . ( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ) أي وإن يريدوا بجنوحهم للسلم