أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

وتكذّب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني » قالوا ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ، فقد نجاها اللّه فارجعوا ، فقال أبو جهل : واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام - فنقيم ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب ، فلا يزالون يهابوننا أبدا ، فوافوها فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . فنهى اللّه عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) أي واذكر أيها الرسول للمؤمنين حين زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه في روعهم ، وخيّل إليهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات ، مجير لهم حتى قالوا : اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين . ( فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ) أي فلما قرب كل من الفريقين المتقاتلين من الآخر وصار بحيث يراه ويعرف حاله ، وقبل أن يصطلى نار القتال معه - نكص على عقبيه أي رجع القهقرى وتولّى إلى الوراء وهي الجهة التي فيها العقبان ، والمراد أنه كفّ عن تزيينه لهم وتغريره بهم . ( وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ ) أي تبرأ منهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد اللّه تعالى المسلمين بالملائكة . ( وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) قد تكون هذه العبارة من كلام الشيطان ، وقد تكون من كلامه تعالى . والخلاصة - إن جند الشيطان كانوا منبثّين في المشركين يوسوسون لهم بملابستهم لأرواحهم الخبيثة بما يغريهم ويغرّهم ، كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم