أحمد مصطفى المراغي

99

تفسير المراغي

( وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً ) أي وفرقنا بني إسرائيل في الأرض وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها فلا يخلو منهم قطر وليس لهم شوكة ولا دولة ، وهذا من معجزات الكتاب الكريم . ( مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ) أي منهم الصالحون كالذين نهوا من اعتدوا في السبت عن ظلمهم ، والذين كانوا يؤمنون بالأنبياء من بعد موسى ، والذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ومنهم من دونهم في الصلاح لم يبلغوا مبلغهم ، ومنهم الغلاة في الكفر والفسق كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق ، ومنهم السماعون للكذب الأكّالون للسحت والرشا لتبديل الأحكام والقضاء بغير ما أنزل اللّه كما هو شأن الأمم ، فإنها تفسد تدريجا لا دفعة واحدة كما نشاهد ذلك في المسلمين . ( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي وامتحناهم واختبرنا استعدادهم بالنعم التي تحسن في عيونهم وتقرّبها أفئدتهم ، وبالنقم التي تسوؤهم وإن كانت قد تحسن بالصبر عاقبتها لديهم ، رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم ، وينيبوا إلى ربهم ، فيعود إليهم فضله ورحمته . ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) أي نبتت من أولئك الذين منهم الصالح والطالح نابتة ورثوا التوراة : أي وقفوا على ما فيها وكانوا عالمين بأحكامها بعد أسلافهم والحال أنهم يؤثرون حطام الدنيا ومتاعها بما يأكلونه من السحت والرشا والاتجار بالدين والمحاباة في الحكم ، ويقولون سيغفر لنا ولا يؤاخذنا بما فعلنا ، فإننا أبناء اللّه وأحباؤه وسلائل أنبيائه وشعبه الذي اصطفاه من سائر البشر إلى نحو ذلك من الأماني والأضاليل ، وهم والغون في خطاياهم مصرّون على ذنوبهم ، فإن يأتهم عرض آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل يأخذوه ولا يتعفّفوا عنه - وهم يعلمون أن اللّه إنما وعد بالمغفرة التائبين الذين يقلعون عن ذنبهم ندما وخوفا من ربهم ويصلحون ما كانوا قد أفسدوا .