أحمد مصطفى المراغي

94

تفسير المراغي

السبت حذرا من صيدهم لاعتيادها أحوالهم ؛ قيل إنها اعتادت ألا يتعرض أحد لصيدها يوم السبت فأمنت وصارت تظهر فيه وتخفى في الأيام التي لا يسبتون فيها لما اعتادت من اصطيادها فيها ، فلما رأوا ظهورها وكثرتها في يوم السبت أغواهم ذلك بالاحتيال على صيدها فيه . ( كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) أي مثل هذا البلاء بظهور السمك يوم السبت نبتليهم ونعاملهم معاملة المختبر لحال من يراد إظهار حاله ليترتب الجزاء على عمله بسبب فسقهم المستمر على أمر ربهم واعتدائهم حدود شرعه ، فقد جرت سنة اللّه بأن من أطاعه سهل له أمور الدنيا وأجزل له الثواب في الآخرة ، ومن عصاه : ابتلاه بأنواع المحن والبلاء . ( وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ؟ ) أي واسألهم عن حال أهل تلك القرية حين قالت جماعة منهم هذه المقالة ، وفي ذلك دلالة على أن الذين كانوا يعدون في السبت بعض أهل القرية لا جميعهم وأن أهلها كانوا فرقا ثلاثا : ( 1 ) فرقة العادين في السبت التي أشير إليها في الآية الأولى . ( 2 ) فرقة الواعظين لهؤلاء العادين لينتهوا عن عدوانهم ويكفّوا عنه . ( 3 ) فرقة اللائمين للواعظين التي قالت لهم : لم تعظون قوما قد قضى اللّه عليهم بالهلاك بالاستئصال أو بعذاب شديد دون الاستئصال ، أو المراد مهلكهم في الدنيا ومعذبهم في الآخرة . ( قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أي قال الواعظون للائمين لهم : نعظكم عظة اعتذار نعتذر بها إلى ربكم عن السكوت على المنكر ، فإذا طولبنا بإقامة فريضة النهى عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين - إلى أنا نرجو أن ينتفعوا بالموعظة فيحملهم ذلك على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه ، إذ نحن لم نيأس من رجوعهم إلى الحق كما أنتم منهم يائسون .