أحمد مصطفى المراغي
85
تفسير المراغي
أنا رسوله هو من له التصرف في السماوات والأرض وتدبير العالم كله ، إذ وحدة النظام في جملة المخلوقات وعدم التفاوت فيها دليل على وحدة مصدرها وتدبيرها ، فهو المعبود وحده لا إله إلا هو . وتوحيد الربوبية بالإيمان وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل : أي بعبادة اللّه وحده - هما أصل الدين والركن الأول في العقيدة . والركن الثاني الإيمان برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والركن الثالث عقيدة البعث بعد الموت وهي تتضمن الإحياء والإماتة وتصرف الرب في خلقه . وقد بنى على تقرر هذه الأمور الثلاثة الدعوة إلى الإيمان فقال : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ) أي فآمنوا أيها الناس جميعا باللّه الواحد في ربوبيته وألوهيته الذي يحيى كل ما تحلّه الحياة ويميت كل ما يعرض له الموت بعد الحياة ، وهذا أمر مشاهد كل يوم . وآمنوا برسوله النبي الأمى الذي بعثه في الأميين رسولا إلى الخلق أجمعين ، يعلمهم الكتاب والحكمة ويطهرهم من خرافات الشرك والجهل والتفرق والتعادي ليكونوا بهدايته أمة واحدة يتحقق بها الإخاء البشرى العام ، وقد بشر بهذا النبي الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، لأنه المتمم لما بعثوا به من هداية الناس . ( الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ ) أي يؤمن بتوحيد اللّه وكلماته التشريعية التي أنزلها لهداية خلقه على ألسنة رسله وهي مظهر علمه ورحمته ، وكلماته التكوينية التي هي مظهر إرادته وقدرته وحكمته . وبعد أن أمرهم سبحانه بالإيمان أمرهم بالإسلام فقال : ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي واسلكوا طريقه ، واقتفوا أثره في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين رجاء اهتدائكم بالإيمان وباتباعه إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة وتلك هي الثمرة التي تجنى منهما ، فما آمن قوم بنبي إلا كانوا بعد الإيمان