أحمد مصطفى المراغي
82
تفسير المراغي
من تحت أمره إلى أن يجئ الذي هو له وإليه تجتمع الشعوب » وفي هذا دلالة على مجىء محمد عليه السلام بعد تمام حكم موسى وعيسى ، لأن المراد من الحاكم موسى لأنه ما جاء بعد يعقوب صاحب شريعة إلا هو ، والمراد من الراسم عيسى وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد عليه الصلاة والسلام . وعلى الجملة ، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يتناقلون خبر بعثته صلى اللّه عليه وسلم فيما بينهم ويذكرون البشارات من كتبهم ، حتى إذا ما بعثه اللّه بالهدى ودين الحق آمن به كثيرون وكان علماؤهم يصرحون بذلك كعبد اللّه بن سلام وأصحابه من علماء اليهود وتميم الداري من علماء النصارى وغيرهم من الذين أسلموا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأما الذين استكبروا فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم ويؤولون كثيرا منها ويكتمونه عمن لم يطلع عليه ، وقد قيّض اللّه عالما من علماء الهند يسمى الشيخ رحمة اللّه في القرن الماضي لتحقيق هذه البشارات في كتاب سماه : [ إظهار الحق ] وتناول فيه مسائل غاية في الأهمية ، ويجدر بمن يريد التوسع في هذه المسائل أن يطلع عليه وهو مطبوع متداول بين أيدي الناس . ( 3 ، 4 ) إنه ( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) أي لا يأمر إلا بالخير ولا ينهى إلا عن الشر كما قال عبد اللّه بن مسعود : إذا سمعت اللّه يقول « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » * فأرعها سمعك ، فإنه خير تؤمر به أو شر تنتهى عنه ا ه . ومن أهم ما أمر به عبادة اللّه وحده لا شريك له ، ومن أهم ما نهى عنه عبادة ما سواه كما هو شأن جميع الرسل في ذلك كما قال : « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » . ( 5 ، 6 ) إنه ( يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) أي إنه يحل لهم ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وفيه فائدة في التغذية ، ويحرّم عليهم ما تستقذره