أحمد مصطفى المراغي

80

تفسير المراغي

والتقصير فيما يجب من ذكرك وشكرك وعبادتك ، وارحمنا وأنت خير الغافرين حلما وكرما وجودا ، فكل غافر سواك إنما يغفر لغرض كحب الثناء ودفع الضرر ، وأنت تغفر لا لطلب عوض بل لمحض الفضل والكرم ، وأنت خير الراحمين رحمة ، وأوسعهم فيها فضلا وإحسانا ، فرحمة من سواك نفحة مفاضة على قلوبهم من رحمتك . ( وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) أي وأثبت لنا برحمتك وفضلك حياة طيبة في هذه الدنيا من عافية وبسطة في الرزق وتوفيق للطاعة ، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول جنتك ونيل رضوانك ، فهو بمعنى قوله فيما علّمنا من دعائه : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً » . ( إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ) أي إنا تبنا مما فرط من سفهائنا من طلب الآلهة وعبادة العجل ومن تقصير عقلائنا في الإنكار عليهم - مستغفرين مسترحمين كما فعل من قبل آدم إذ تاب إليك من معصيته فتبت عليه واجتبيته فكانت تلك سنتك في ولده . ( قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) أي قد كان من سبق رحمتي غضبى أن جعلت عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة ؛ أما رحمتي فقد وسعت كل شئ في العالمين فهي من صفاتى التي قام بها أمر العالم منذ خلقته ، والعذاب من أفعالى المترتبة على صفة العدل ، ولولا الرحمة العامة المبذولة لكل أحد لهلك كل كافر وعاص عقب كفره وفجوره « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ » . ثم ذكر من ستكتب لهم الرحمة فقال : ( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) أي فأثبت رحمتي بمشيئتى للذين يتقون الكفر والمعاصي ويؤتون الصدقة التي تتزكى بها أنفسهم ، وخص الزكاة بالذكر دون ما عداها من الطاعات ، لأن النفوس شحيحة ففتنته تقتضى أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من الطاعات ، كما أن في ذلك