أحمد مصطفى المراغي

42

تفسير المراغي

( فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) أي فإذا جاءهم خصب وثمار ومواش وسعة في الرزق والعافية قالوا لنا هذه أي نحن المستحقون لها بما لنا من التفوق على الناس فبلادنا بلاد خصب ورخاء ، وقد غاب عنهم أن يعلموا أن هذا من اللّه فعليهم أن يشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه - وإن أصابهم قحط وجدب ومرض وبلاء تشاءموا بموسى ، وقالوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه وغفلوا عن سيئات أنفسهم وظلمهم لقوم موسى توهما منهم أن ذلك حق من حقوقهم . ومثل هذه المعاملة هي التي يحب أن يعامل بها الأجنبي في الوطن والدين كما هي الحال الآن في معاملة أهل المغرب للبلاد الشرقية المستعمرة لهم . ( أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي إن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء اللّه وتقديره وهو الذي وضع لنظام الكون سننا تكون فيه المسببات وفق أسبابها ، وبمقتضى هذه السنن والأقدار ينزل عليهم البلاء ويكون امتحانا واختبارا لهم ليتوبوا ويرجعوا عن ظلمهم وبغيهم على بني إسرائيل وعن طغيانهم وإسرافهم في جميع أمورهم ، ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة تصرف الخالق في هذا الكون ولا أسباب الخير والشر ، ولا أن كل شئ فيه جاء بمشيئته وتدبيره . وبعد أن ذكر أن هذه الحسنات والسيئات لم تردعهم عما هم فيه من الطغيان - ذكر أنه أصابهم بضروب أخرى من العذاب وهي في أنفسها آيات بينات - وهم مع ذلك لم يرعوا عن كفرهم وعنادهم . ( وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) أي إنك إن جئتنا بكل نوع من أنواع الآيات التي يستدل بها على أنك محق في دعوتك ، لأجل أن تسحرنا بها وتصرفنا بها بدقة ولطف عما نحن فيه من ديننا ومن تسخيرنا لقومك في خدمتنا ، فما نحن بمصدقين لك ولا بمتبعين رسالتك .