أحمد مصطفى المراغي

4

تفسير المراغي

الإيضاح ( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) أي قال أشراف قومه الذين استكبروا عن الإيمان وعن اتباع ما أمرهم به وما نهاهم عنه : قسما لنخرجنك يا شعيب أنت ومن آمن معك - من بلادنا كلها - بغضا لكم ودفعا لفتنتكم ، أو لترجعن إلى ديننا ومعتقداتنا التي ورثناها عن آبائنا ، وتدخلنّ في زمرتنا وتندمجنّ في غمارنا . والخلاصة - ليكونن أحد الأمرين : إخراجكم من البلاد ، أو عودتكم في الملة ، فاختاروا لأنفسكم ما ترونه أرفق بكم وأوفق لكم . وشعيب عليه السلام لم يكن قبل النبوة على ملة أخرى غير ملة قومه ، فساغ لهم أن يطالبوه بالعود إلى ملتهم ، وكونه لم يشاركهم في شركهم ولا بخس الناس أشياءهم - أمر سلبى لا يعدّه به جمهورهم خروجا عنهم - فلا منافاة بين هذا وعصمة الأنبياء عن الكفر . ( قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) أي أتأمروننا أن نعود في ملتكم وتهدوننا بالنفي من أوطاننا ، والإخراج من ديارنا إن لم نفعل ولو كنا كارهين لكل من الأمرين ؟ . إنكم لقد جهلتم أن الدين عقيدة وأعمال يتقرّب بها إلى اللّه الذي شرعها لتكميل الفطرة البشرية ، كما جهلتم أن حب الوطن لا يبلغ منزلة حب الدين لدىّ ولدي قومي ، فظننتم فىّ وفيمن آمن معي أننا نؤثر التمتع بالإقامة في الوطن ، على مرضاة اللّه بالتوحيد المطهّر من أدران الخرافات ، وبالفضائل المهذبة للنفوس والمرقّية لها في معارج الكمال حتى تتم لنا سعادة الدنيا والآخرة . فللدين منزلة في النفوس لا تسمو إليها منزلة أخرى ، فإن تمكن صاحبه من إقامته في وطنه وإصلاح أهله به فهم أحق به ، وإن فتن في دينه فيه كان تركه واجبا عليه ،