أحمد مصطفى المراغي
38
تفسير المراغي
( قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) أي قال لهم يا قوم : اطلبوا معونة اللّه وتأييده على رفع ذلك الوعيد عنكم ، واصبروا ولا تحزنوا ، فإن الأرض ( فلسطين ) التي وعدكموها ربكم هي للّه الذي بيده ملكوت كل شئ يورثها من يشاء من عباده لا لفرعون ، فهي على مقتضى سننه دول وأيام ، والعاقبة الحسنى لمن يتقون اللّه ويراعون سننه في أسباب إرث الأرض باتحاد الكلمة والاعتصام بالحق وإقامة العدل والصبر على الشدائد والاستعانة باللّه لدى المكاره ، ونحو ذلك مما هدت إليه التجارب ودلت عليه الشرائع . والخلاصة - إن الأمر ليس كما قال فرعون ، بل القهر والغلبة لمن صبر واستعان باللّه ، ولمن وعده اللّه تعالى توريث الأرض ونحن الموعودون بذلك ، ولكن بشرط أن نقيم شرعه ونسير على سننه في الخلق . وليس الأمر كما يظن فرعون وقومه من بقاء القوىّ على قوته ، والضعيف على ضعفه اعتمادا على أن الآلهة ضمنت له بقاء ملكه وعظمته وجبروته . لكن هذه الوصية وتلك النصائح لم تؤثر في قلوبهم ففزعوا من فرعون وقومه . و ( قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ) فقد كان بنو إسرائيل قبل مجىء موسى مستضعفين في يد فرعون يأخذ منهم إتاوات مختلفة ، ويستعملهم في الأعمال الشاقة ، ويمنعهم من الترف ، ويقتل أبناءهم ويستحيى نساءهم ، فلما بعث اللّه موسى لم يستطع أن ينقذهم من ظلم فرعون ، إذ كان يؤذيهم ويظلمهم بعد إرساله كما كان يؤذيهم من قبل ذلك أو أشد . ولما ذكروا ذلك لموسى أجابهم : ( قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) أي قال موسى إن رجائي من فضل اللّه أن يهلك عدوكم الذي ظلمكم ويجعلكم خلفاء في الأرض التي وعدكموها ومنعكم فرعون من الخروج منها ، فينظر سبحانه كيف