أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
وفي هذا تشويق وتوجيه للنظر إلى ما سيقصه اللّه تعالى من عاقبة أمرهم ، إذ نصر رسوله موسى وهو واحد من شعب مستضعف مستعبد لهم ، على فرعون وملئه وهم أعظم أهل الأرض قوة وصولة بأن أبطل سحرهم وأقنع علماءهم وسحرتهم بصحة رسالته وكون آياته من عند اللّه ، ثم نصره بإرسال أنواع العذاب على البلاد ثم بإنقاذ قومه وإغراق فرعون ومن تبعه من ملئه وجنوده . وهذه عبرة قائمة على وجه الدهر وحجة على أن الغلب ليس للقوة المادية فحسب ، كما يقوله المغرورون بعظمة الأمم الظالمة في الغرب لمن استضعفتهم من أهل الشرق . وبعد التشويق والتنبيه المتقدم ، قص اللّه تعالى ما كان من أولئك القوم في مبدأ أمرهم حتى انتهوا إلى تلك العاقبة . ( وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) أي إن موسى صلى اللّه عليه وسلم بلّغ فرعون أنه رسول من رب العالمين كلهم : أي سيدهم ومالكهم ومدبر جميع أمورهم ، فهو لا يقول على اللّه إلا الحق ، إذ لا يمكن أن يبعث اللّه رسولا يكذب عليه وهو الذي بيده ملكوت كل شئ ، فهو معصوم من الكذب والخطأ في التبليغ . والخلاصة - إن كلامه اشتمل على عقيدة الوحدانية ، وهي أن للعالمين ربا واحدا وعلى عقيدة الرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ والهداية . ثم ذكر بعد هذا أن اللّه أيده ببينة تدل على صدقه في دعواه فقال : ( قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي قد جئتكم ببرهان من ربكم شاهد على صدق ما أقول . وفي قوله : من ربكم إيماء إلى أنهم مربوبون وأن فرعون ليس ربا ولا إلها ، وإلى أن البينة ليست من كسب موسى ولا مما يستقل به عليه السلام . ثم رتب على مجيئه بالبينة طلبه منه أن يرسل معه بني إسرائيل أي يطلقهم من أسره ويعتقهم من رقه وقهره ليذهبوا معه إلى دار غير داره ويعبدوا فيها ربهم وربه .