أحمد مصطفى المراغي

207

تفسير المراغي

الإيضاح ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار : إن ينتهوا عماهم عليه من عداوتك وعنادك بالصد عن سبيل اللّه ، يغفر لهم اللّه ما قد سلف منهم من ذلك ومن سواه من الذنوب ، فلا يعاقبهم على شئ من ذلك في الآخرة ، ويغفر لهم الرسول والمؤمنون فلا يطالبون قاتلا منهم بدم ولا سالبا أو غانما بسلب ولا غنم . روى مسلم من حديث عمرو بن العاص قال : فلما جعل اللّه الإيمان في قلبي أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فقبضت يدي ، قال ما لك ؟ قلت أردت أن أشترط . قال ما ذا تشترط ؟ قلت أن يغفر لي قال أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ » . ( وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) أي وإن يعودوا إلى العداء والصد والقتال تجر عليهم سننه المطردة في أمثال لهم من الأولين الذين عادوا الرسل وقاتلوهم ، من نصر المؤمنين وخذلانهم وهلاكهم كما حدث لهم يوم بدر كما قال : « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » . ثم بين ما سلف من قوله : فقد مضت سنة الأولين ، ورغب المؤمنين في قتالهم فقال : ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) أي وقاتلهم أيها الرسول أنت ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة في الدين بالتعذيب وضروب الإيذاء لأجل تركه كما فعلوا ذلك حين كانت لهم القوة والبطش في مكة ، إذ أخرجوكم منها لأجل دينكم ثم أتوا لقتالكم في دار الهجرة ، وحتى يكون الدين كله للّه فلا يستطيع أحد أن يفتن أحدا عن دينه ويكرهه على تركه إلى دين المكره تقيّة وخوفا . وخلاصة ذلك - قاتلوهم حتى يكون الناس أحرارا في عقائدهم لا يكره أحد أحدا