أحمد مصطفى المراغي

202

تفسير المراغي

الإيضاح ( وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) أي اللهم إن كان هذا القرآن وما يدعو إليه هو الحق منزلا من عندك ليدين به عبادك كما يدّعى محمد صلى اللّه عليه وسلم فافعل بنا كذا وكذا . وفي هذا إيماء إلى أنهم لا يتبعونه وإن كان هو الحق المنزل من عند اللّه ، بل يفضلون الهلاك بحجارة يرجمون بها من السماء أو بعذاب أليم سوى ذلك ، كما أن فيه تهكما وإظهار للحزم واليقين بأنه ليس من عند اللّه - وحاشاه - ومنه يعلم أيضا أن دعاءهم كفر وعناد ، لا لأن ما يدعوهم إليه قبيح وضار . روى أن معاوية قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة ! فقال : أجهل من قومي قومك حين قالوا : ( اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) ولم يقولوا : فاهدنا له . ثم قال تعالى بيانا للموجب لإمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم . ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) أي وما كان من سنة اللّه ولا من مقتضى رحمته وحكمته أن يعذبهم وأنت الرسول فيهم ، لأنه إنما أرسلك رحمة ونعمة لا عذابا ونقمة - إلى أنه قد جرت سنته أيضا ألا يعذب أمثالهم من مكذبي الرسل وهم بين أظهرهم ، بل كان يخرج الرسل أوّلا كما حدث لهود وصالح ولوط . ( وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) أي وما كان اللّه ليعذبهم هذا العذاب الذي عذّب بمثله الأمم قبلهم فاستأصلهم ، وهم يستغفرون ، وهم المسلمون الذين بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المستضعفين . روى ابن جرير قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة فأنزل اللّه : ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ثم خرج إلى المدينة فأنزل اللّه : ( وَما كانَ اللَّهُ