أحمد مصطفى المراغي
199
تفسير المراغي
وحديث ذلك المكر الذي ترتبت عليه الهجرة إلى المدينة ، وبها ظهر الإسلام وخذل الشرك روى من طرق عدة أقربها رواية ابن إسحاق في سيرته قال : إن نفرا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة واعتراضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا من أنت ؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم منى رأى ونصح ، قالوا أجل فادخل ، فدخل معهم ، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل فو اللّه ليوشكنّ أن يؤاتيكم في أمركم بأمره ، فقال قائل : احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : زهير والنابغة فإنما هو كأحدهم ، فقال عدو اللّه الشيخ النجدي لا واللّه ما هذا لكم برأي واللّه ليخرجن رائد من محبسه لأصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ثم يمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم ، فانظروا في غير هذا الرأي ، فقال قائل : فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه ، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع ، وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه ، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وكان أمره في غيركم ، فقال الشيخ النجدي : لا واللّه ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما تسمع من حديثه ، واللّه لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجمعنّ إليه ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم ، قالوا صدق واللّه ، فانظروا رأيا غير هذا ، فقال أبو جهل واللّه لأشيرن عليكم برأي لا أرى غيره قالوا وما هذا ؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربونه به ضربة رجل واحد ، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها ، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلهم ، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل ( الدية ) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه ، فقال الشيخ النجدي : هذا واللّه هو الرأي ، القول ما قال الفتى لا أرى غيره وتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له ، فأتى جبريل عليه السلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأمره ألا يبيت